الحلبي
214
السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )
وبهذا يندفع ما يقال : مقتضى كون أصل طينته صلى اللّه عليه وسلم بمكة أن يكون مدفنه بها ، لأن تربة الشخص تكون في محل مدفنه ثم عجنها بطينة آدم ، ولعل هذه الطينة هي المعبر عنها بالنور في قوله صلى اللّه عليه وسلم وقد قال له جابر : « يا رسول اللّه أخبرني عن أول شيء خلقه اللّه تعالى قبل الأشياء ؟ قال : يا جابر إن اللّه خلق قبل الأشياء نور نبيك من نوره ، ولم يكن في ذلك الوقت لا سماء ولا أرض ولا شمس ولا قمر ولا لوح ولا قلم » الحديث . وجاء « أول ما خلق اللّه نوري » وفي رواية : « أول ما خلق اللّه العقل » قال الشيخ عليّ الخواص : ومعناهما واحد ، لأن حقيقته صلى اللّه عليه وسلم يعبر عنها بالعقل الأول وتارة بالنور . فأرواح الأنبياء والأولياء مستمدة من روح محمد صلى اللّه عليه وسلم هذا كلامه ، وهذا هو المعني بقول بعضهم : لما تعلقت إرادة الحق بإيجاد خلقه أبرز الحقيقة المحمدية من الأنوار الصمدية في الحضرة الأحدية ، ثم سلخ منها العوالم كلها علوها وسفلها . وفيه أن هذا لا يناسبه قوله : « ولم يكن في ذلك الوقت لا سماء ولا أرض » إذ كيف يأتي ذلك مع قول كعب الأحبار ، أمر جبريل أن يأتيه بالطينة التي هي قلب الأرض إلى آخره ؟ ومع قول ابن عباس : أصل طينة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من سرة الأرض . إلا أن يقال إن ذلك النور بعد إيجاده أودع تلك الطينة التي هي قلب الأرض وسرتها . وحينئذ لا يخالف ذلك ما جاء أن اللّه خلق آدم من طين العزة من نور محمد صلى اللّه عليه وسلم ، فهو صلى اللّه عليه وسلم الجنس العالي لجميع الأجناس والأب الأكبر لجميع الموجودات والناس . هذا وقد جاء في حديث بعض رواته متروك الحديث « خلق اللّه آدم من تراب الجابية ، وعجنه بماء الجنة » وجاء « خلق اللّه آدم من تربة دحنا ومسح ظهره بنعمان الأراك » ودحنا : محل قريب من الطائف ، وتقدم أنه يحتاج إلى بيان وجه كون آدم خلق من نوره وجعل نوره في ظهر آدم . ولما خلق اللّه آدم وقبل نفخ الروح فيه ، استخرج ذلك النور من ظهره وأخذ عليه العهد أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ [ الأعراف : الآية 172 ] فقد خص بذلك عن بقية خلقه من بني آدم فإن بني آدم ما أخرجوا من ظهر آدم وأخذ عليهم الميثاق إلا بعد نفخ الروح في آدم . ونقل بعضهم أن اللّه تعالى لما أخرج الذرية وأعاده في صلب آدم ، أمسك روح عيسى إلى أن أتى وقت خلقه . ولا يخفى أن هذا يفيد أن أخذ العهد على الصديق كان بعد نفخ الروح في آدم ، وأخذ العهد عليه صلى اللّه عليه وسلم كان سابقا على ذلك ، وحينئذ فيكون المراد بقول الصديق حينئذ لما قال له صلى اللّه عليه وسلم : « أتعرف يوم يوم ، وقال نعم » إلى قوله : « ولقد سمعتك تقول حينئذ أشهد أن لا إله إلا اللّه وأن محمدا رسول اللّه » أي حين أخذ العهد على بني آدم ، لا حين أخذ العهد عليه صلى اللّه عليه وسلم كما قد يتبادر فليتأمل . ثم لما نفخت الروح في آدم صار ذلك النور في ظهر آدم فصارت الملائكة